الشيخ محمد رشيد رضا
86
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ومنه أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو بل هذا موجب ملكه الحق وهو حقيقة الملك المون بالحكمة والرحمة والحمد ، فإذا زال غضبه سبحانه وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة رحمة بل لم تزل رحمة وان تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة واخراجهم من النار رحمة فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في الآخرة لكن تلك الرحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق عليهم كرحمة الطبيب الذي يبضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه المواد الردية الفاسدة : فان قيل - هذا اعتبار غير صحيح فان الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو راض عنه ولم ينشأ فعله به عن غضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة وأما عذاب هؤلاء فإنه انما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة ( قيل ) هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم وان كان عقوبة لهم وهذا كإقامة الحدود عليهم في الدنيا فإنه عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة فالحدود طهرة لأهلها وعقوبة وهم لما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه بما لا يليق ان يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له ندا له وآلهة معه وآثروا رضاءهم على رضاه وطاعتهم على طاعته وهو ولي الانعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم الحق اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عليه تقدير خلافها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطيل لاحكامها كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه ، فالمعطلون نوعان أحدهما عطل صفاته والثاني عطل أحكامه وموجباتها وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران فإذا زال الغضب بزوال سببه وزالت المادة الفاسدة بتغيير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض ( يوضحه الوجه الحادي عشر ) وهو أن العفو أحب اليه سبحانه من الانتقام والرحمة أحب اليه من العقوبة ، والرضا أحب اليه من الغضب ، والفضل أحب اليه من العدل ، ولهذا ظهرت آثار هذه المحبة في شرعه وقدره ، ويظهر كل الظهور